محمد بن جرير الطبري
103
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يقول تعالى ذكر لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، إن يصبك الله بضر ، يقول : بشدة في دنياك وشظف في عيشك وضيق فيه ، فلن يكشف ذلك عنك إلا الله الذي أمرك أن تكون أول من أسلم لأمره ونهيه ، وأذعن له من أهل زمانك ، دون ما يدعوك العادلون به إلى عبادته من الأوثان والأصنام ودون كل شيء سواها من خلقه . وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ يقول : وإن يصبك بخير : أي برخاء في عيش وسعة في الرزق وكثرة في المال فتقر أنه أصابك بذلك ، فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يقول تعالى ذكره : والله الذي أصابك بذلك فهو على كل شيء قدير ، هو القادر على نفعك وضرك ، وهو على كل شيء يريده قادر ، لا يعجزه شيء يريده ولا يمتنع منه شيء طلبه ، ليس كالآلهة الذليلة المهينة التي لا تقدر على اجتلاب نفع على أنفسها ولا غيرها ولا دفع ضر عنها ولا غيرها يقول تعالى ذكره : فكيف تعبد من كان هكذا ؟ أم كيف لا تخلص العبادة ، وتقر لمن كان بيده الضر والنفع والثواب والعقاب وله القدرة الكاملة والعزة الظاهرة ؟ القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ يعني تعالى ذكره بقوله : و " هو " نفسه ؛ يقول : والله القاهر فوق عباده . ويعني بقوله : الْقاهِرُ المذلل المستعبد خلقه العالي عليهم . وإنما قال : " فوق عباده " ، لأنه وصف نفسه تعالى بقهره إياهم ، ومن صفة كل قاهر شيئا أن يكون مستعليا عليه . فمعنى الكلام إذن : والله الغالب عباده ، المذل لهم ، العالي عليهم بتذليله لهم وخلقه إياهم ، فهو فوقهم بقهره إياهم ، وهم دونه . وَهُوَ الْحَكِيمُ يقول : والله الحكيم في علوه على عباده وقهره إياهم بقدرته وفي سائر تدبيره ، الخبير بمصالح الأشياء ومضارها ، الذي لا يخفي عليه عواقب الأمور وبواديها ، ولا يقع في تدبيره خلل ، ولا يدخل حكمه دخل . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يكذبون ويجحدون نبوتك من قومك : أي شيء أعظم شهادة وأكبر ، ثم أخبرهم بأن أكبر الأشياء شهادة الله الذي لا يجوز أن يقع في شهادته ما يجوز أن يقع في شهادة غيره من خلقه من السهو والخطأ والغلط والكذب ، ثم قل لهم : إن الذي هو أكبر الأشياء شهادة شهيد بيني وبينكم ، بالمحق منا من المبطل والرشيد منا في فعله وقوله من السفيه ، وقد رضينا به حكما بيننا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى : أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قال : أمر محمد أن يسأل قريشا ، ثم أمر أن يخبرهم فيقول : اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، نحوه . القول في تأويل قوله تعالى : وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء المشركين الذين يكذبونك : اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ عقابه ، وأنذر به من بلغه من سائر الناس غيركم ، إن لم ينته إلى العمل بما فيه وتحليل حلاله وتحريم حرامه والإيمان بجميعه ، نزول نقمة الله به . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " يا أيها الناس بلغوا ولو آية من كتاب الله ، فإنه من بلغه آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله ، أخذه ، أو تركه " . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : وبلغوا عن الله ، فمن بلغه آية من كتاب الله ، فقذ بلغا أمر الله " . حدثنا هناد ، قال : ثنا وكيع ،